في ظل تصاعد حرائق الغابات في عدد من الدول الأوروبية، تبرز طائرات مكافحة الحرائق باعتبارها إحدى أهم أدوات الاستجابة السريعة، إلا أن نجاح مهماتها يعتمد على الجاهزية الفنية، وسلامة العمليات، والتدريب المتخصص، والتعاون الدولي.
تشهد القارة الأوروبية خلال موسم الصيف الحالي موجة خطيرة من حرائق الغابات، مدفوعة بارتفاع درجات الحرارة، وجفاف الغطاء النباتي، وهبوب الرياح القوية التي تساعد النيران على الانتشار بسرعة نحو المدن والقرى والمناطق السياحية.
وخلال الأيام الأخيرة، شهدت مناطق في فرنسا وإسبانيا حرائق واسعة أجبرت عشرات الآلاف من السكان والسياح على مغادرة المناطق المهددة، فيما واجهت فرق الإطفاء والطوارئ ضغوطاً كبيرة نتيجة تعدد بؤر الحرائق وصعوبة السيطرة عليها. وقد دفعت خطورة الأوضاع عدداً من الدول إلى طلب المساعدة الأوروبية وتفعيل آليات التعاون المشترك لمواجهة الكارثة.

الطائرات خط الدفاع السريع أمام النيران
تؤدي الطائرات والمروحيات المتخصصة في مكافحة الحرائق دوراً محورياً في الساعات الأولى من اندلاع الحريق، إذ تستطيع الوصول بسرعة إلى المناطق الجبلية والغابات الكثيفة والمواقع الوعرة التي يصعب على فرق الإطفاء البرية الوصول إليها.
وتقوم طائرات الإطفاء بإسقاط كميات كبيرة من المياه أو المواد المثبطة للهب فوق خطوط النيران، بهدف إبطاء انتشارها، وتقليل شدتها، ومنح الفرق الأرضية وقتاً إضافياً لإنشاء خطوط عازلة وحماية المناطق السكنية والمنشآت الحيوية.
كما تُستخدم المروحيات في تنفيذ عمليات دقيقة بالقرب من التضاريس الصعبة، ونقل فرق الإطفاء والمعدات، ومراقبة حركة النيران، وتحديد البؤر الساخنة التي قد تعاود الاشتعال.
ومع ذلك، فإن الطائرات لا تعمل بمعزل عن بقية فرق الاستجابة، ولا يمكنها وحدها إنهاء الحرائق الكبرى. فالنجاح الحقيقي يعتمد على التكامل بين الطواقم الجوية، وفرق الإطفاء البرية، ومراكز القيادة والسيطرة، وخدمات الأرصاد الجوية، والمراقبة بواسطة الأقمار الصناعية.
أكبر استعداد أوروبي لموسم الحرائق
استعداداً لموسم حرائق الغابات لعام 2026، أعلن الاتحاد الأوروبي تنفيذ أكبر عملية جاهزية من نوعها منذ إطلاق برنامج الانتشار المسبق عام 2022.
وتضمنت الخطة توزيع 777 رجل إطفاء من 14 دولة أوروبية في مناطق عالية الخطورة، إلى جانب وضع 22 طائرة إطفاء و5 مروحيات على أهبة الاستعداد لدعم الدول التي تتعرض لضغوط تفوق قدراتها الوطنية.
وفي مطلع يوليو، جرى بالفعل إرسال طائرات ومروحيات أوروبية لدعم فرنسا، كما تلقت البرتغال مساعدات تضمنت طائرات إطفاء وفرقاً ومركبات قادمة من دول أوروبية أخرى. وتوضح هذه التحركات أن مواجهة الحرائق لم تعد مسؤولية دولة واحدة، بل أصبحت مهمة إقليمية تتطلب سرعة تبادل الموارد والخبرات.
مهمات جوية في ظروف شديدة الخطورة
تُعد عمليات مكافحة حرائق الغابات من أكثر المهمات الجوية تعقيداً وخطورة، إذ يضطر الطيارون إلى التحليق على ارتفاعات منخفضة، بالقرب من الجبال والأشجار وخطوط الكهرباء، وفي أجواء مليئة بالدخان والرماد والاضطرابات الهوائية الناتجة عن الحرارة الشديدة.
وقد تشارك عدة طائرات ومروحيات في منطقة محدودة خلال الوقت نفسه، الأمر الذي يجعل إدارة المجال الجوي والتنسيق بين الطواقم ومراكز السيطرة أمراً بالغ الأهمية. وتشير إرشادات منظمة الطيران المدني الدولي إلى أن عمليات الإطفاء الجوي قد تتطلب إنشاء مناطق جوية مقيدة، لمنع تعارض حركة الطائرات المدنية مع طائرات مكافحة الحرائق وضمان سلامة العمليات.
ولهذا، فإن نجاح المهمات الجوية لا يعتمد على امتلاك الطائرات فقط، بل يتطلب:
التدريب المستمر للطيارين والطواقم الفنية على سيناريوهات الحرائق المعقدة.
تنفيذ برامج صيانة وفحص دقيقة قبل المهمات وبعدها.
التأكد من صلاحية أنظمة المحركات والملاحة والاتصالات وخزانات المياه.
تحديد مسارات الطيران ومناطق تعبئة المياه والإسقاط مسبقاً.
وجود قائد جوي مسؤول عن تنظيم حركة الطائرات فوق موقع الحريق.
التنسيق المباشر مع فرق الإطفاء البرية وخدمات الطوارئ.
مراقبة الإرهاق البدني والنفسي للطواقم خلال العمليات الطويلة والمتكررة.
التكنولوجيا تراقب الحرائق من الفضاء
أصبحت الأقمار الصناعية والأنظمة الرقمية جزءاً أساسياً من إدارة حرائق الغابات. ويقدم النظام الأوروبي لمعلومات حرائق الغابات EFFIS معلومات محدثة حول مواقع الحرائق ومستويات الخطورة والمساحات المتضررة، بينما يمكن تفعيل خدمة كوبرنيكوس لإدارة الطوارئ لإنتاج خرائط فضائية للمناطق المنكوبة.
وتساعد هذه المعلومات غرف العمليات على تحديد اتجاه انتشار النيران، وتقييم المخاطر على السكان والبنية التحتية، وتوجيه الطائرات نحو المناطق الأكثر خطورة، ومتابعة البؤر التي قد تعاود الاشتعال بعد إخمادها.
دور المنظمة الدولية لخدمات الطيران
انطلاقاً من رسالتها في دعم سلامة الطيران وتعزيز التعاون المهني الدولي، تؤكد المنظمة الدولية لخدمات الطيران أهمية التعامل مع طائرات مكافحة الحرائق باعتبارها أصولاً استراتيجية لحماية المجتمعات والبيئة.
ويمكن للمنظمات والمؤسسات المتخصصة في قطاع الطيران المساهمة من خلال نشر ثقافة السلامة، وتشجيع تبادل الخبرات بين الدول ومشغلي الطائرات، ودعم البرامج التدريبية، وتسليط الضوء على أهمية الصيانة الوقائية وإدارة المخاطر والتنسيق بين الجهات الجوية والمدنية.
كما أن توثيق الدروس المستفادة من كل موسم حرائق يتيح تطوير إجراءات أكثر كفاءة، وتحسين جاهزية الطائرات والطواقم، وتقليل زمن الاستجابة عند وقوع حرائق جديدة.
الحماية تبدأ قبل إقلاع الطائرات
رغم الأهمية الكبيرة للطيران في احتواء الحرائق، فإن الوقاية تبقى الوسيلة الأكثر فاعلية والأقل تكلفة.
وتشمل الوقاية مراقبة الغابات خلال فترات الحرارة المرتفعة، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، وتنظيف النباتات الجافة، وإنشاء خطوط عازلة، وتوعية السكان والسياح بمخاطر إشعال النيران، وتطبيق العقوبات بحق المتسببين في الحرائق المتعمدة أو الناتجة عن الإهمال.
كما ينبغي للدول تطوير خطط مشتركة تسمح بتحريك الطائرات والطواقم والمعدات عبر الحدود بسرعة، دون تأخير إداري قد يؤدي إلى اتساع نطاق الحريق.
مسؤولية مشتركة من أجل مستقبل أكثر أمناً
إن حرائق الغابات لا تهدد الأشجار والمساحات الخضراء فقط، بل تهدد الإنسان والحياة البرية وجودة الهواء ومصادر المياه والاقتصاد والسياحة والبنية التحتية.
ومن هنا، فإن الاستثمار في سلامة الطيران، وصيانة طائرات مكافحة الحرائق، وتدريب الطواقم، وتطوير أنظمة المراقبة والإنذار المبكر، وتعزيز التعاون الدولي، يمثل استثماراً مباشراً في حماية الأرواح والممتلكات والبيئة.
وعندما تتكامل الجهود الجوية والبرية والتقنية والإنسانية، يصبح بالإمكان الحد من آثار الكوارث، وتسريع الاستجابة، وبناء مستقبل أكثر أمناً واستدامة للأجيال القادمة.
